جان لوئيس بوركهارت
354
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ولأهل الجزيرة قاض ومفت ومدرسة أميرية ، وفقيه أو فقيهان ينتميان إلى طبقة العلماء ، وقد تقلد زعيمهم وعين أعيانهم وظيفة الأغا إبان حكم الشريف ، أما اليوم فهو يتزعم حركة المعارضة للأغا الحالي الذي نصبه محمد على ، والذي استحق نقد خصمه على تصرفاته الرسمية . وقبل أن أبرح سواكن أرسل إلىّ القاضي فوافيته سرا في بيته ، وسلمني رسالة رجاني أن أحملها إلى الحجاز ، وأسلمها لمحمد على شخصيا . وتتضمن الرسالة شكاوى من يمك والحداربة ، فقد نعتهم الكاتب بالعصيان والتمرد ، وآية ذلك أنهم أبوا التعامل في بلدهم بعملة محمد على وبالقروش المصرية ، ونكلوا عن فريضة الجمعة حين أضيف الدعاء في الخطبة للسلطان والباشا . أما يمك فقد رماه الكاتب بأنه معرة للأتراك ، وزعم أنه يرتعد فرقا من البدو ، وأنه لوث مركزه بالانغماس في شهواته المنحرفة « * » . وكان إنشاء الرسالة خليطا عجيبا ما أنزل اللّه به من سلطان ، فقد خلعت على الباشا أسخف الألقاب وأبعثها على السخرية ، فأطلقت عليه فيما أطلقت « أسد البر وفيل البحر » . وقد وقعها وختمها اثنا عشر متظلما ، وبالرغم من أنني لم أسلمها بنفسي في الحجاز ، فقد استوثقت من أنها سلمت للباشا كما طلب إلىّ . ولا يستعمل السواكنية من الأسلحة إلا أقلها ، وندر من أهل القيف من يجرؤ على إطلاق النار . وسلاحهم سلاح النوبيين ، أي السيف والرمح والدرقة والمدية . وفي المدينة نحو اثنى عشر جوادا . فإذا نشبت الحرب امتطى أشجع شجعانهم الهجن وباغتوا العدو . ويكاد كل بيت في القيف يملك هجينا . وبدو القيف ليسوا أكثر من بدو الصحراء احتفالا بدينهم ، ولو تحريت مدى علمهم به لما وجدت بينهم من يعرف كيف يصلى الفريضة إلا الأقلّين ، بل إنهم - فيما روى لي - قل أن يصوموا رمضان . أما في المدينة فالقوم يدققون في القيام بالفرائض تدقيق كل الشعوب المشتغلة بالملاحة .
--> ( * ) قد تكون هذه هي الرذيلة الوحيدة التي لم تتغلغل بعد في قلب إفريقية ، فقد سمعت الإفريقيين من جميع الطبقات يستهجنون أشد الاستهجان ما يرويه الحجاج العائدون إلى أوطانهم عن انحرافات الترك والأعراب .